الرحلة العجيبة
الكاتب: د. نجية الشياظمي · 2026-09-28 · 1 دقائق قراءة
ما أشجعنا على اقتحام هذه الحياة، ما أقوانا على تمزيق صمتها بصرخة مدوية منذ الوهلة الأولى التي يلامس فيها الهواء رئتينا. حقا مغامرة و مخاطرة فريدة من نوعها، نأتي دون أن نعلم مع من سنكمل أيامنا، رجل و امرأة، أب و أم، لا نعلم عنهما شيئا لكننا مضطرين لقبول الأمر الواقع، لتقبل عيش الحياة بكل تفاصيلها معهم، حياة تعج بالمفاجآت و العجائب، لكننا نأتي و دون حول لنا و لا قوة، نخوضها بل و نفرض إرادتنا إلى أن يشتد عودنا. و مع ذلك نقبل و لا نعلم و لا نفهم. لكننا نتشبث و نصر على البقاء، نصر على إثبات وجودنا. أحيانا مع من يفهمنا و يحتضن ضعفنا، و أحيانا أخرى مع أناس نخالهم أعداءنا، لكننا مرغمون على العيش معهم و تقبل أوامرهم و طاعتها. كل ذلك و ليس لنا مفر و لا مهرب مما أقبلنا عليه. فقد اخترنا هذا التحدي و المخاطرة.
يأتي العديد منا في نفس اليوم و منا من يكمل المسيرة و منا من ينسحب دون رؤية النور الأول. و من اختار خوض التجربة و الاختبار، يمشي في تعثر، و منهم من يمشي و قد استقام الطريق له دون تعب، و من يعافر و يكافح و كأن العالم انحاز ضده، هناك من يستسلم من العثرة الأولى، و من يبقى مصرا مثابرا لا ينام له جفن إلا بعد أن يصل إلى غرضه و مبتغاه.
إنها حقا أخطر و أجمل مغامرة نخوضها و نحن في قمة ضعفنا، حتى و نحن في عنفوان العمر نبقى ضعفاء. لكننا نستقوي بالقوي الجبار، و نستعين به، و ما خاب و ما يخيب من يتمسك بالقوي العزيز. هكذا نأتي و نكافح و نجاهد في هذه المدرسة التي لا تمنحنا مقررا و لا خطة معينة نمشي عليها، بل نحن من يكتب الدروس بعد النهوض من كل كبوة نتعرض لها. كل المدارس تمنحنا المناهج قبل خوض الامتحان، كي نشتغل عليها و نحفظها، لكن مدرسة الحياة تتركنا نحن من يجمع الدروس و الخطط و يرتبها، يمشي عليها و يعلمها لغيره، لمن لا يستطيع ذلك بنفسه.
ما أحلاها رحلة و ما أخطرها، و بعد أن يأتي موعد الرحيل دون سابق إنذار كما حدث مع موعد القدوم، نغادر في صمت، و لا يبقى منا إلا بصمات و آثار نتركها، فطوبى لمن نجح في رسم الأثر الجميل حتى بعد رحيله، يبقي إسمه خالدا بين الورى بما تركه في قلوبهم من خير و بركة و سلام و محبة.
أعجبك المقال؟
الحصول على الكتيّب الكامل «من هنا وهناك»
مجموعة نصوص وخواطر إنسانية عن الامتنان والعبور بين المحطات، بقلم د. نجية الشياظمي.
التعليقات (0)
لم يُضَف أي تعليق بعد على هذا المقال.